سعيد عطية علي مطاوع

98

الاعجاز القصصي في القرآن

داعيا : " رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ " ( سورة إبراهيم : 37 ) ومثل هذا الهدوء والإيمان ، وطاعة اللّه تتجلّى حين يري في المنام أنه يذبح ابنه ، فيلبي ، ويطيع ، وتكون معجزة الفداء بذبح عظيم 152 . وهكذا برزت شخصية إبراهيم المثالية من خلال هذه المواقف ، فكان مثلا في حصافة الرأي ، وحب التطلع إلى اليقين ، والامتثال لأمر اللّه في تفان وإخلاص ، والرفق والحلم والرأفة والحنان . وقد تجمع في شخصه من جليل الخصال ما تفرق عن غيره من الناس علي مدى الأجيال . فكان أمة بذاته كما أثنى اللّه عليه : " إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ " ( سورة النحل : 120 - 122 ) . ولا عجب ، فإبراهيم صاحب القلب الكبير الذي وسع الناس بمحبته ولينه ، يحنو علي قومه ، رغم إيذائهم له . فهو لا يطلب العذاب والهلاك لمن عصاه ، وإنما يكلهم إلى رحمة اللّه وغفرانه فيقول عن قومه " رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " ( سورة إبراهيم : 36 ) . كما أن ما جبل عليه من سخاء ورأفة أبان عنه احتفاؤه بضيوفه وإكرامهم ، وسؤال ربه أن يعفو عن قوم ابن أخيه لوط ، وقد أبلغه ضيوفه من الملائكة أنهم مرسلون إلى لوط ليأمروه بالخروج من القرية مع أهله قبيل الصبح ، موعد هلاك قومه . فكان يجادل ربه في شأنهم رجاء أن ينظر إليهم بعين الرحمة 153 . وبينما يرسم بعض القصص القرآني لشخصية إبراهيم هذه السمات نراه يرسم لشخصية " موسى " مثلا سمات أخرى ، منها ما يلتقي معها ، وفيها ما يقابلها . فيجعل منه أنموذجا للزعيم القوي المندفع بحدة الطبع والمزاج ، وسرعة الانفعال ، وحساسية الوجدان . ولعل هذه السمات هي التي جعلت نجاحه قويا في قيادة شعب صلب المراس ، معقد النفسية ، وهو شعب بني إسرائيل الذي كان من طبعه